أحمد بن علي القلقشندي
116
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
دررهما المكنونة ، وأزهر من وجوههما المباركة الميمونة ، فقد وصل كلا الطائرين بيمنه ، والسابقين بمنّه ، والغائبين في جوّ السماء الآتيين من الصّيود بأوفى من قطرات مونه ، واستقبل المملوك منهما وجوه المسارّ ، وحملت يمينه الثّروة وحملت على اليسار ، وتناولت يده يدي إحسان يسرّ الناظرين والسامعين ، واستخدما للشّكر خاناه ولحفظ مطبخ يملأ عيون المشبعين والجائعين ، وقال صنع اللَّه لصناعتهما : ائتيا بصيود السّماء طوعا أو كرها * ( قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) * ( 1 ) . قد كتبت باليمن في مطاوي ريشها أشباه الحروف ، وقضى الجود لتلك الأحرف أن تقري ما تقتري عواصي الطير له بطاقة تقيّد السابح في طلقه ( 2 ) ، ويعود مطلقها وقد ألزم نجاح الطير طائره في عنقه ، فشكر اللَّه إحسان مولانا الذي ألحف الأمل جناحه ، والقصد نجاحه ؛ وبرّه الذي أحمد في سوانح الطير وبوارحه مساءه وصباحه ، وعلم ما أشار مولانا إليه في أمر فلان وأمره علم اللَّه تعالى في الخاطر حاضر ، وما يؤخّر شغله عن إهمال وعائب الإمهال غادر ، وما أشار إليه في أمر فلان أمير شكاره وأمير شكر المملوك ، وتقدّم بخلاص حقّه ، واستنزل بهديّته قضاء الشّغل من أفقه ، لا برح مولانا ممتثل الأوامر ، هامي سحب البرّ الهوامر ، مجدّدا في كل وقت نعمى ، مالئا بهداياه قلوب ( 3 ) محبّيه وبيوتهم شحما ولحما ، إن شاء اللَّه تعالى . وله جواب في وصول طيور العقعق ( 4 ) :
--> ( 1 ) سورة السجدة أو فصلت 41 ، الآية 11 . ( 2 ) الطلق : الشوط ؛ يقال : عدا الفرس طلقا أو طلقين ، أي شوطا أو شوطين . مختار الصحاح ( طلق ) . ( 3 ) لعلّ المناسب « بطون » . حاشية الطبعة الأميرية . ( 4 ) العقعق ، وربما قيل : القعقع على القلب : طائر على قدر الحمامة في شكل الغراب ، وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة ، ذو لونين أبيض وأسود ، طويل الذنب ، وفي طبعه الخيانة ، ويوصف بالسرقة والخبث ، وإذا رأى حليّا أو عقدا اختطفه ، والعرب تضرب به المثل في جميع ذلك . وإذا باضت الأنثى منه أخفت بيضها بورق الدلب خوفا عليه من الخفّاش . قال الجاحظ : سمّي - بذلك لأنه يعقّ فراخه فيتركهم أياما بلا طعم ، ويقال لصوته العقعقة . انظر ج 2 من هذا المطبوع ص 80 - 81 ، ومعجم متن اللغة ، مادة ( عقق ) .